عبد الملك الجويني
103
نهاية المطلب في دراية المذهب
758 - وبقي الآن الكلامُ في الجهة الواحدة إذا تغير الاجتهاد فيها . فنقول : في مقدمة ذلك : ظهر اختلاف أئمتنا في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها ، وهذا فيه إشكال ؛ فإن المجتهد إذا كان على مسافة بعيدة ، فكيف يتأتى منه إصابةُ مسامتة عين الكعبة ؟ وكيف يقدر ذلك مطلوباً لطالب ؟ والطلب إنما يتعلّق بما يمكن الوصول إليه . وكان شيخي يقول : محل هذا الاختلاف يؤول إلى أن المجتهد يربط فكره في طلبه بجهة الكعبة أو عينها . وليس ذلك واضحاً عندي ، ولعل الغرض في ذلك يتضح بمسلكٍ آخر ، ذكره العراقيون ، وهو أنهم قالوا : هل يتصور دَرْكُ يقين الخطأ في الجهة الواحدة ؟ فعلى وجهين : أحدهما - يتصوّر ذلك ، كما يتصور ذلك في الجهتين . والثاني - لا يتصور درك يقين الخطأ في الجهة الواحدة . فإن قلنا : يتصور ذلك ، فعن هذا عبّر الأولون ؛ إذ قالوا : " المطلوب عين الكعبة " . وإن قلنا : لا يتصور درك اليقين فيه ، ففي هذا عبر المعبرون ، إذ قالوا : " المطلوب جهة الكعبة " . وهذا كلام ملتبس ، فيه بعد عندي ؛ فإن من ظنّ أن جهات الكعبة ، أو جهات شخص المصلي في موقفه أربع ، فقد بَعُد عن التحصيل بُعداً عظيماً ، وكل مَيْلٍ يفرض في موقف الإنسان ، فهو انتقال منه من جهة إلى جهة أخرى ، فذكر الجهة الواحدة ، وفرْضُ الخلاف فيها ، وتقدير ردِّ الطلب إلى الجهة ، أو عين البيت ، كلام مضطرب ؛ لا يشفي غليل الناظر الذي يبغي دَرْك الغايات . 759 - فالوجه في ذلك عندي أن يقال : من اقترب في المسجد الحرام من الكعبة ، فإنه يصير منحرفاً عنها بأدنى ميل وانحراف ، بحيث يُقطع بأنه ليس مستقبلها ، [ وإذا وقف في أخريات المسجد ، فيختلف اسم الاستقبال اختلافاً بيناً ] ( 1 ) ، ولذلك لا يصطف في المطاف ثلاثون إلا ويخرج بعضهم عن مسامتة الكعبة ، ويصطف في
--> ( 1 ) ساقط من الأصل ، ومن ( ط ) .